ابن عطية الأندلسي

369

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يمنع من التصرف في التجارة . فبقوا فقراء إلا أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على اللّه بحيث يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بباطن أحوالهم أَغْنِياءَ و التَّعَفُّفِ تفعل ، وهو بناء مبالغة من عفّ عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه . وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره ، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي « يحسبهم » بكسر السين . وكذلك هذا الفعل في كل القرآن ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة « يحسبهم » بفتح السين في كل القرآن ، وهما لغتان في « يحسب » كعهد ويعهد بفتح الهاء وكسرها في حروف كثيرة أتت كذلك ، قال أبو علي فتح السين في يحسب أقيس لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة ، والقراءة بالكسر حسنة بمجيء السمع به ، وإن كان شاذا عن القياس ، و مِنَ في قوله : مِنَ التَّعَفُّفِ لابتداء الغاية أي من تعففهم ابتدأت محسبته ، وليست لبيان الجنس لأن الجاهل بهم لا يحسبهم أغنياء غناء تعفف ، وانما يحسبهم أغنياء غناء مال ، ومحسبته من التعفف ناشئة ، وهذا على أنهم متعففون عفة تامة عن المسألة ، وهو الذي عليه جمهور المفسرين ، لأنهم قالوا في تفسير قوله تعالى لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً : المعنى لا يسألون البتة . وتحتمل الآية معنى آخر من فيه لبيان الجنس ، سنذكره بعد والسيما مقصورة العلامة . وبعض العرب يقول : السيمياء بزيادة ياء وبالمد ، ومنه قول الشاعر : [ الطويل ] . له سيمياء لا تشقّ على البصر واختلف المفسرون في تعيين هذه « السيما » التي يعرف بها هؤلاء المتعففون ، فقال مجاهد : هي التخشع والتواضع ، وقال السدي والربيع : هي جهد الحاجة وقصف الفقر في وجوههم وقلة النعمة ، وقال ابن زيد : هي رثة الثياب ، وقال قوم ، وحكاه مكي : هي أثر السجود . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : وهذا حسن لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة ، فكان أثر السجود عليهم أبدا ، و « الإلحاف » والإلحاح بمعنى واحد ، وقال قوم : هو مأخوذ من ألحف الشيء إذا غطاه وغمه بالتغطية ، ومنه اللحاف ، ومنه قول ابن الأحمر : [ الوافر ] يظلّ يحفّهنّ بقفقفيه * ويلحفهنّ هفهافا ثخينا يصف ذكر نعام يحضن بيضا ، فكأن هذا السائل الملح يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك ، وذهب الطبري والزجاج وغيرهما إلى أن المعنى لا يسألون البتة . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : والآية تحتمل المعنيين نفي السؤال جملة ونفي الإلحاف فقط ، أما الأولى فعلى أن يكون التَّعَفُّفِ صفة ثابتة لهم ، ويحسبهم الجاهل بفقرهم لسبب تعففهم أغنياء من المال ، وتكون مِنَ لابتداء الغاية ويكون قوله : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً لم يرد به أنهم يسألون غير إلحاف بل المراد به التنبيه على سوء حالة من يسأل إلحافا من الناس ، كما تقول : هذا رجل خير لا يقتل المسلمين . فقولك : « خير » قد تضمن أنه لا يقتل ولا يعصي بأقل من ذلك ، ثم نبهت بقولك لا يقتل المسلمين على قبح فعل غيره ممن يقتل ، وكثيرا ما يقال مثل هذا إذا كان المنبه عليه موجودا في القضية مشارا إليه في نفس المتكلم والسامع . وسؤال الإلحاف لم تخل منه مدة ، وهو مما يكره ، فلذلك نبه عليه .